جان لوئيس بوركهارت
262
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
سمعت بحالات جلب فيها هذا الاعتراف عليهن الوبال ، مع أن توقيه كان يسيرا . والإجهاض أعم في مصر حيث تقتنى كل أسرة تقريبا عبدا وجارية من السود ، ولا يعده القوم هناك جريمة على الإطلاق ، ويسمح السادة للأثيرات من جواريهم بحضور مجالس البوظة ، وأكبر ما يلهون به في هذه المجالس إثقال الفتيات بالشراب حتى يثملن . ولقد كوّنت عن أخلاق الزنوج وطباعهم أسوأ رأى لما رأيت منهم وما سمعت عنهم . على أن الإنصاف يقتضينى أن أضيف إلى هذا الحكم أنني لم أرهم بعد في أوطانهم قبل أن يقتنصهم طغام الجلابة ، وهم كفيلون بإفساد ألطف الطباع وأرقها . غير أنى لم أجد بين العبيد من أخلصوا الولاء لسادتهم إلا القليل ، حتى ولو أحسن هؤلاء السادة معاملتهم . وأسوأ ما يشينهم عناد لا سبيل إلى ردهم عنه ، وخيلاء وصلف في الطبع ، وفي كثير منهم حقد قتّال وولع بالثأر ، ولكنك لن تجد فيهم هذا الغدر الذي تجده حتى في أطفال العرب الأحرار في وادى النيل وبلاد النوبة . وفي الزنوج كسل وإهمال وبذاذة ، وهم لا يؤدون أعمالهم إلا مكرهين . ويخيل إلى أنهم تجردوا من كل عاطفة سوى شهوة البطن ، وهم لا يأبهون لما يصيبهم من ضرب أو سب ولعن إذا وجدوا الطعام الجيد وأصابوا حظهم من السمن واللحم بانتظام وظفروا بقدر من الشحم يلطخون به أجسادهم . ومن العبارات المأثورة عن الجلابة قولهم « لا تأمن العبد . اضربه وأطعمه تشوف الحاجة مقضية » . ولست أدرى مبلغ الصواب في هذه العبارة ، ولكني أعلم على التحقيق أنها المبدأ الذي يستوحيه الجلابة إذا أمنوا هرب عبيدهم . على أن هذه المعاملة لا تحدّ من ولع العبيد بالمرح واللهو والطرب ، وقد يكون مرجع هذا قوة في أذهانهم أو تبلدا في عاطفتهم . أما ذكاؤهم فلا يقل مرتبة - في رأيي - عن ذكاء العرب الزنوج ، ولعله دون ذكاء أهل مصر والشام قليلا . ولست أرى في جموحهم ما يشينهم لولا ما يقترن به في كثير من الأحيان من الحقد والكراهية . وقد أسلفت أن لشعوب السودان المختلفة طباعا مختلفة ، وكل ما عرفته منهم لم يزعزع عقيدتي في أن السود